القائمة إغلاق

التربية الإيجابية | بين الشعارات والواقع

التربية الإيجابية
3740

(حليم) و (أحلام) زوجان في مقتبل العمر، رُزقوا بولدٍ جميل هادئ الطباع، سمياه (حاتم) مثل اسم جدِّه لوالده وقد بلغ من العمر تسع سنوات.

(حاتم) لا يتحرك من مكانه إلا بعد إشارة والديه؛ لا تأكل هذا ولا تشرب ذاك ولا تُصاحب هؤلاء!

ينساق وراء أوامرهم بدون أي تفكير، فهذا ما عوَّداه عليه منذ نعومة أظافره.

ثم نأتي إلى أحد الجيران (أيمن) و (إيمان) زوجان آخران في مقتبل الحياة، لديهما ابنة جميلة لكنها عنيدةٌ وجريئةٌ جداً اسمها (إيما) وقد أتمت سنواتها العشر في الشهر الماضي.

اجتمع كلٌ من (حليم) و (أحلام) و (أيمن) و (إيمان) ذات ليلة ليتناولوا العشاء معاً، ثم تبادلوا أطراف الحديث عن الأبناء.

ذكرت (أحلام) كم تستاء من سلبية (حاتم)، وكذلك (إيمان) وما تعانيه مع عناد (إيما).

واستقروا في نهاية الحديث أن يذهبوا إلى استشاري علاقات أسرية حتى يفتيهم في أمرهم، ويخبرهم عن مبادئ التربية الإيجابية الصحيحة.

ما هو مفهوم التربية الإيجابية؟

إن مفهوم التربية الإيجابية أو ما يعرف بـ (Positive Discipline) هو برنامج صممته (د. جين ويلسون) تأثراً بأعمال (ألفريد أدلر) و (رودولف دريكرز).

تهدف برامج التربية الإيجابية إلى تعليم الشباب كيف يكونوا مسئولين ومؤثرين في مجتمعاتهم، عن طريق تدريبهم وتربيتهم على بعض المهارات الاجتماعية المهمة للتعامل مع المجتمع المحيط.

معايير التربية الإيجابية

تتسم التربية الإيجابية بعدة معايير تهدف في النهاية إلى تكوين بيئة خصبة لنمو الأطفال حتى يصبحوا ناجحين في مجتمعاتهم.

هذه المعايير هي:

الدمج بين الحنان والحزم معاً

يتخذ بعض الآباء منهج الحنان واللين في تربية أبنائهم، فيستجيبوا إلى كل متطلباتهم، ولا يحاولون تعنيفهم حتى وإن أخطأوا.

يمكن أن يؤثر هذا المنهج على الأطفال مولداً فيهم روح اللامبالاة وعدم المسؤولية وانتهاك حقوق الآخرين.

بينما يتخذ آخرون منهج الحزم والشدة في التربية، فيقمعون حرية أطفالهم ويسعون لجعلهم نسخةً طبق الأصل منهم.

تصنع هذه المدرسة في التربية أجيالاً صمَّاء لا تعرف معنى القيادة، شخصيات مهزوزة وخائفة ومترددة في كل أمر.

لكن إن مزجنا الاثنين -الحنان والحزم معاً- سنكون قد ألَّفنا بين قلوبنا وقلوب أطفالنا، فتارةً نستخدم الحزم حينما يستدعي الأمر.

وتارةً أخرى نفيضُ بالحنان وقت الحاجة.

الفعالية طويلة الأمد

تتمتع التربية الإيجابية بفعالية وتأثير طويل الأمد على الأبناء، هذا لأن أسلوب العقاب وحده قد يأتي بالنتيجة المرجوة، لكنها قصيرة الأمد.

وكذلك لن يجدي أسلوب التدليل نفعاً إلا مؤقتاً ثم قد يأتي وبال الأمر لاحقاً من لا مبالاة كبيرة!

اكتساب المهارات الحياتية

تساعد مبادئ التربية الإيجابية الآباء والأبناء على تعلُّم بعض المهارات الاجتماعية لبناء الشخصية القوية القادرة على صناعة المستقبل بجدارة.

من هذه المهارات ما يلي:

  • احترام الآخرين.
  • الاهتمام بشؤون المحيطين.
  • القدرة على حل المشكلات.
  • الاندماج الاجتماعي.
  • التعاون مع الناس.

الشعور بالانتماء والأهمية

يعمل منهج التربية الإيجابية على غرز شعور الانتماء إلى الأسرة داخل الأبناء، بالإضافة إلى شعورهم بأهميتهم في مجتمعاتهم.

ويعد هذا الأمر أحد الركائز الأساسية التي تأسست عليها برامج التربية الإيجابية، لأن التواصل الحسن وتوطيد العلاقات بين الآباء والأبناء أكثر أهمية من الوصول إلى أي نتائج في بناء الشخصية.

اقرأ أيضاً: الصحة النفسية للأطفال | الوتر الحساس

مبادئ التربية الإيجابية

تتحدث التربية الإيجابية عن دور الأسرة في التربية الإيجابية للمراهقين والصغار وأيضاً الأطفال، وقد أُسست على عدة عوامل كالتالي:

  • الاحترام المتبادل بين الآباء والأبناء، وينقسم إلى الحزم في احترام الآباء احتياجاتهم الخاصة بعيداً عن الأطفال.

واحترام احتياجات الأبناء باللين في مواقفٍ أخرى.

  • تشجيع الأفعال والمجهود المبذول وليس مدح الأبناء في المطلق، لأن التشجيع على المجهود ذاته يحفز الطفل لإنجازه مرةً تلو الأخرى بالجد والاجتهاد.

لكن المديح المستمر للطفل قد يُصيبه بأحد صور الغرور.

  • إدراك السبب الرئيسي وراء أفعال الأبناء ومعتقداتهم، ومحاولة تغيير هذه المعتقدات والأفكار إلى الأفضل بدلاً من تغيير الأفعال ذاتها.
  • التواصل والتقرب من الأبناء بكل الطرق المتاحة.
  • التركيز على المواقف وكيفية الوصول إلى الدروس المستفادة منها بدلاً من التركيز على العقاب.

للمزيد: التعامل مع المراهقين | بين سياسة الحزم واللين

نصائح التربية الإيجابية

قد يبدو لك (عزيزي القارئ) أن مبادئ التربية الإيجابية هي أحد دروب الخيال والشعارات واللامنطقية في التعامل مع الأبناء.

لكن الواقع يخبرنا بعين الحقيقة والتجربة أن الأساليب الأخرى في التربية، مثل: النظام السلطوي والنظام المتسامح لا تُنتج أفرادً يتمتعون بشخصياتٍ جيدة بما فيه الكفاية لتحقيق الإنجاز على المستويات المادية أو المعنوية.

لذلك وُضعت مبادئ التربية الإيجابية واجتهد ولا يزال يجتهد الباحثون فيها كي يصلوا إلى أفضل مناهج التربية.

إليك إذن بعض النصائح التي قد تساعدك في تربية طفلك بشكلٍ حسن:

كوِّن علاقة إيجابية مع طفلك

يجدُر بالآباء أن ينتبهوا جيداً ويأخذوا مشاعر أطفالهم على محمل الجد. 

ولعلَّ أحد أهم المبادئ التي تكفلها التربية الإيجابية هي تشجيع الطفل على مشاركة مشاعره مع الوالدين.

أيضاً تشجع الأبناء على الحديث عن أخطائهم أو أفكارهم أو حتى مشاكلهم مع الآباء، في محاولة إلى الوصول لحلولٍ منطقية، والذي بدوره يقوي العلاقة بينهم.

سيكون من الرائع كذلك أن تقضي وقتاً طيباً مع طفلك في ممارسة التمارين الرياضية أو اللعب أو التحدث بشكلٍ عام.

وحاول أن تتبادل أطراف الحديث مع ابنك عن المشاعر والمواقف التي تعرض لها في يومه، وأخبره كيف كان يومك أيضاً.

يؤدي ذلك إلى استفادة الطفل من خبرات أبيه بشكلٍ غير مباشر لكنه لطيف وعظيم.

حاولوا حل مشكلاتكم معاً

إن مشاركة المشكلات وسط جوٍ أُسريٍ ودود تتيح لجميع الأطراف فرصة التعلم من خبرات بعضهم بعضاً.

يكتسب الأطفال من هذه المشاركة مهارة حل المشكلات، ويزيد إحترامهم للوالدين كذلك.

ركِّز على التعليم والتدريب

يحتاج الأبناء منذ نعومة أظافرهم وحتى بلوغ مرحلة الجامعة وما بعدها إلى التعليم، تعليم المهارات واكتساب الخبرات.

لذلك، حاول أن تركِّز على تعليم الطفل ما تريده بالتدريج.

بدايةً أخبره عن الأمر الذي تريده أن يفعل، مثل: ترتيب غرفته قبل الذهاب إلى المدرسة.

بعدها أرِه الطريقة الأفضل في ترتيب الغرفة، ثم ساعده أول مرة في الترتيب.

في المرة الثانية حاول أن تترك له مساحةً أكبر للترتيب، ودعه بعد ذلك يجتهد في الأمر بنفسه.

يحتاج الأمر إلى الصبر والوقت وكثرة المحاولات، لكن الأمر يستحق العناء.

اختار النظام بدلاً من العقاب

تهدف التربية الإيجابية إلى تعليم الطفل نظاماً سوياً في الحياة، فلا يقتصر الأمر على مواقفٍ بعينها، مثل: كسر الابن للمرآة في أثناء اللعب.

لكنه يركز على السلوك المكتسب، مثل، اللامبالاة.

 تحاول التربية الإيجابية هنا الاستفادة من سلوك كسر المرآة حتى تعالج مشكلة اللامبالاة.

فبدلاً من أن تعاقب ابنك على كسر المرآة، أخبره أن هذه المرآة باهظة الثمن، وأن والدته تحبها كثيراً وستحزن عندما تعرف أنه كسرها.

حينها قد يشعر الطفل بالمسؤولية تجاه النقود التي سيدفعها الوالد مرةً أخرى لشراء مرآة جديدة، والحزن الذي ستشعر به والدته.

وسيحاول عدم تكرار هذا الفعل مرةً أخرى.

وربما لا يشعر بشئ ولا يهتم بنقود، حينها ستكون قد لفت نظره لأحد المبادئ في الحياة، وفي المرة القادمة يمكنك أن تحمِّله نفقات شراء مرآةٍ جديدة من مصروفه الخاص.

إن التربية الإيجابية للمراهقين أو الصغار بحرٌ واسعٌ يمكن أن يساعدك في إطلاق إمكاناتهم الداخلية حتى يقدروا على مواجهة الحاضر والمستقبل بنفسيةٍ سوية وشخصيةٍ قوية.

شكرت العائلتان استشاري العلاقات الأسرية، ووعداه أن يحاولوا تطبيق ما تعلماه مع أبنائهم.

اقرأ أيضاً: العناد عند الأطفال | من يفوز في المعركة؟

المراجع:

https://www.verywellfamily.com/positive-discipline-basics-1095043

https://www.positivediscipline.com/about-positive-discipline

https://www.positivediscipline.com/articles/kind-and-firm-parenting#:~:text=A%20foundation%20of%20Positive%20Discipline,are%20kind%2C%20but%20not%20firm.&text=Then%20the%20lenient%20parent%20thinks,the%20mean%20old%20strict%20parent.